قانوني

ثغرات قانون تسجيل العقارات رقم 186 لسنة 2020

٢٦ فبراير ٢٠٢١

رصد المستشار ياسين ثغرات هذا القانون قبل القرار الرئاسي بتأجيله بأربعة أيام فقط — قراءة في فلسفة النص وتحليل الإشكاليات التطبيقية.

حين صدر القانون رقم 186 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام قانون الشهر العقاري، تعاملت معه شريحة واسعة من المهتمين باعتباره خطوة إجرائية لتنظيم تسجيل العقارات، بينما كان في حقيقته بابًا واسعًا لإشكاليات تطبيقية لم تكن الحكومة قد استكملت بنيتها التحتية لمواجهتها. في الفيديو الذي نشرته على قناتي بتاريخ 26 فبراير 2021، رصدت — قبل أربعة أيام فقط من صدور القرار الرئاسي بتأجيل تطبيق القانون لمدة عامين — جملةً من الثغرات التشريعية التي رأيت أنها تحول دون قدرة الجهة الإدارية على تطبيق القانون بصورة عادلة وفعّالة. أولًا: غياب البنية التحتية المعلوماتية لا يوجد حتى الآن مسح شامل ومحدّث للعقارات في الجمهورية، ولا قاعدة بيانات موحّدة تربط بين الشهر العقاري والمساحة والوحدات المحلية. ومن ثَمّ فإن إلزام المواطن بتسجيل عقاره في ظل غياب هذه البنية يحوّل العبء كاملًا إلى كاهله، ويفتح الباب لاجتهادات إدارية متباينة من محافظة إلى أخرى. ثانيًا: إشكالية أصل التملك كثير من العقارات في مصر — ولا سيما في الريف والمناطق العشوائية المقنّنة لاحقًا — لا يملك أصحابها سندًا مكتوبًا متسلسلًا يصلح للتسجيل. والاكتفاء بمطالبتهم بإثبات الملكية وفق المنظومة التقليدية يعني عمليًا حرمان شريحة واسعة من حق التسجيل، ويُنتج سوقًا موازية للعقود العرفية بدلًا من القضاء عليها. ثالثًا: الرسوم والتكلفة الرسوم المقررة على عملية التسجيل، حتى بعد التخفيضات، تظل عبئًا حقيقيًا على الأسرة المتوسطة، خاصة حين تُحتسب على القيمة السوقية للعقار لا على قيمة العقد. ولا يكفي خفض الرسم إذا ظلّت الإجراءات الموازية (الرسوم البلدية، الضرائب، شهادات المرافق) مرتفعة ومتشعبة. رابعًا: التشعّب الإداري يمرّ المواطن في عملية التسجيل بأكثر من جهة: الشهر العقاري، الضرائب العقارية، الوحدة المحلية، المرافق، الحماية المدنية في بعض الحالات. وكل جهة منها لها اشتراطاتها ومواعيدها، دون منصّة موحّدة تختصر هذه الدورة، مما يُطيل أمد الإجراء ويُضعف الثقة في جدواه. خامسًا: فلسفة النص لا حرفيّته المشكلة الأعمق ليست في مادة بعينها، بل في فلسفة النص. القانون عُدّ خطوةً تنظيمية، بينما كان يحتاج إلى أن يُقرأ بوصفه مشروعًا اجتماعيًا واقتصاديًا متكاملًا: تقنينٌ للأصول، حمايةٌ للحقوق، وتيسيرٌ على المواطن لا تشديدٌ عليه. ولهذا، حين صدر التوجيه الرئاسي بعد أيام بتأجيل التطبيق لمدة عامين، لم يكن مفاجئًا لمن قرأ النص قراءة تشريعية معمّقة، بل كان تأكيدًا على أن استشراف مآلات القوانين قبل تطبيقها هو جوهر العمل التشريعي الرشيد. الخلاصة: لا يكفي أن يصدر القانون جيّدًا في الجريدة الرسمية؛ لا بد أن يصدر قابلًا للتطبيق في الواقع، عادلًا في أثره، محترِمًا لظروف من سيُطبَّق عليهم.
شارك المقال
فيسبوك واتساب