مستخلص من أول كتاب في المكتبة الحزبية العربية عن إدارة أمانة الشباب، مستخدمًا نموذج الشطرنج السياسي.
حين قررتُ الكتابة عن إدارة أمانة الشباب الحزبية، كنت أعلم أن المكتبة العربية تفتقر إلى عمل تأسيسي في هذا المجال. الموجود في الأغلب نصوص لائحية أو خواطر شخصية، أما البناء المنهجي لكيفية صناعة تنظيم شبابي قادر على إدارة معركة سياسية حقيقية، فظلّ غائبًا.
اخترتُ أن يكون المدخل هو لعبة الشطرنج، لا لأنها استعارة جذابة فحسب، بل لأنها — في رأيي — أقرب نموذج معرفي يحاكي طبيعة العمل السياسي: قطع متفاوتة القيمة، رقعة محدودة، وقت مضغوط، خصم يتحرّك بقواعد معروفة، ونتيجة لا تتحقق إلا بسلسلة قرارات متسقة. ومن هنا جاء اللقب الذي شرّفني به الأستاذ أسامة سرايا، رئيس تحرير الأهرام الأسبق: "قائد الطابية".
الكتاب يبني نظرته للتنظيم الحزبي على عدة أركان:
أولًا: التنظيم قبل الشعار
أي شعار سياسي لا يستند إلى تنظيم منضبط يتحوّل إلى ضجيج عابر. التنظيم هو الذي يحمل الفكرة، ويُترجمها إلى مواقف، ويُحوّلها إلى انتخابات وبرامج وحضور في الشارع.
ثانيًا: قيادة الصف الثاني
قياس صحة أي تنظيم لا يكون بقمته، بل بصفّه الثاني. التنظيم الذي ينهار بغياب قائده تنظيم هشّ، أيًا كانت كاريزما القائد. أمانة الشباب هي بالأساس مصنع للصف الثاني.
ثالثًا: التدرّج لا القفز
الشاب الذي يبدأ من قاعدة التنظيم ويصعد عبر مسؤوليات متدرجة يصير أكثر صلابة من ذلك الذي يُقفز به إلى المقدمة لاعتبارات شخصية. التدرّج يبني خبرة، والخبرة تبني قرارًا.
رابعًا: المعركة الانتخابية بوصفها امتحانًا
الانتخابات ليست هدفًا، بل امتحانًا للتنظيم. تكشف من يعمل ومن يتسلّق، ومن يلتزم بقرار الحزب ومن يبيعه عند أول مواجهة. ومن هنا يصبح الإعداد لها مدرسةً تربوية لا مجرد حملة دعائية.
خامسًا: لائحة داخلية حيّة
اللائحة ليست نصوصًا للزينة، بل دستور داخلي يحمي التنظيم من شخصنة القرار. وأي تنظيم لا يحترم لائحته الداخلية يُعطي قياداته صلاحيات بلا محاسبة، وهذه بداية كل انحراف.
سادسًا: المسؤولية قبل المنصب
الموقع التنظيمي مسؤولية لا مكسب. من يطلب المنصب لذاته لا يصلح له، ومن يقبله بوصفه أمانة هو من يُغيّر شكل الحزب من الداخل.
الكتاب مطبوع وموزّع من قبل مؤسسة أخبار اليوم، وقد كُتب أصلًا لشباب الأحزاب، لكنه — كما أُخبرت من أكثر من قارئ — وُجد طريقه إلى كل من يعمل في تنظيم مدني أو نقابي أو طلابي. وهذا في حد ذاته أعظم مكسب يمكن لكاتب أن يحلم به: أن يتجاوز نصّه السياق الذي كُتب فيه.