دراسة مقارنة فردية لجميع دساتير مصر منذ 1882 حتى 2019 مقارنةً بأربعة دساتير أجنبية — أكثر من ألف صفحة قيد الإعداد.
حين بدأت هذا المشروع، لم يكن في ذهني أن أكتب كتابًا، بل أن أُجيب على سؤال ظلّ يلاحقني سنوات: لماذا تتشابه نصوص دساتيرنا المتعاقبة في الكلمات، وتختلف اختلافًا جذريًا في الأثر؟
الإجابة — كما تبيّن لي بعد قراءة طويلة — لا تكمن في النص ذاته، بل في فلسفة المشرّع في لحظة كتابته، وفي البيئة السياسية والاجتماعية التي وُلد فيها، وفي المعنى الذي حمله أول من طبّقه. ومن هنا بدأت دراسة مقارنة فردية مستقلة لكل دساتير جمهورية مصر العربية منذ عام 1882، مرورًا بدستور 1923، فدساتير 1956 و1958 و1964، ثم دستور 1971 وتعديلاته، فدستور 2012، فدستور 2014 وتعديلاته الأخيرة عام 2019 — مقارنةً بأربعة دساتير أجنبية اخترتها بعناية لاختلاف مرجعياتها الفلسفية.
المنهج الذي اعتمدته يقوم على أربعة محاور لكل مادة دستورية:
أولًا: الفهم الصحيح للنص
لا أقصد بالفهم الصحيح الفهم اللغوي فحسب، بل قراءة النص داخل سياقه الدستوري الكلي. المادة لا تُقرأ منعزلة، بل في علاقتها بالباب الذي تنتمي إليه، وبالمواد الأخرى التي تكمّلها أو تقيّدها.
ثانيًا: فلسفة المشرّع
ما الذي كان يدور في ذهن واضع النص؟ ما المشكلة التي أراد حلّها؟ وما النموذج المرجعي الذي استند إليه؟ هذا السؤال يكشف أحيانًا أن نصًا واحدًا قد كُتب في دستور لمعالجة مشكلة، ثم نُقل حرفيًا إلى دستور آخر لمعالجة مشكلة مختلفة تمامًا، فيتحوّل من حل إلى عبء.
ثالثًا: مدى تعبير النص عن الحالة المجتمعية
الدستور وثيقة سياسية واجتماعية قبل أن يكون نصًا قانونيًا. حين يُكتب نص بمعزل عن النضج المجتمعي للدولة، فإنه يتحوّل إلى مثاليّة معلّقة، تُكرَّر في الخطاب ولا تُترجَم في الواقع.
رابعًا: المقارنة المنهجية
المقارنة بدساتير أخرى ليست استعراضًا، بل أداة لفهم البدائل المتاحة. لكل خيار دستوري ثمن وفائدة، والمقارنة تكشف ما الذي ربحناه وما الذي خسرناه حين اخترنا صيغة دون أخرى.
كتبت في هذا المشروع حتى الآن أكثر من ألف صفحة، وأعمل على استكماله ومراجعته. أعلم أن مشروعًا بهذا الحجم يستحق فريقًا من الباحثين، لكنني اخترت أن يكون جهدًا فرديًا في مرحلته الأولى لضمان وحدة المنهج ووحدة الصوت. فإن استقام البناء الأساسي، أصبح من السهل لاحقًا توسيعه بمشاركات متخصصة.
ما أرجوه من هذا العمل ليس أن يكون مرجعًا أكاديميًا فحسب، بل أن يُعيد فتح النقاش العام حول علاقتنا بدساتيرنا: نقرأها لا بوصفها نصوصًا مغلقة، بل بوصفها مرايا لتاريخنا السياسي، وبوصلة لمستقبلنا.