تجربة أدبية تستحضر المكان بوصفه روحًا لا جغرافيا — من مجموعة قصصية حائزة جوائز على مستوى الجمهورية.
قبل أن أكتب القصة الأولى من مجموعة (خلف الصخور والهضبة الصغيرة)، كنت أظنّ أن المكان مجرد خلفية تتحرّك أمامها الشخصيات. لكنني، كلما توغّلت في الكتابة، اكتشفت أن المكان نفسه شخصية: له ملامح، وذاكرة، وأمزجة، وقدرة على التذكّر والنسيان.
المجموعة تنطلق من هذه القناعة: أن المكان ليس جغرافيا تُرسم على خريطة، بل روح تُسكن في تفاصيل صغيرة — في حجر، في رائحة، في صوت باب يُغلق في وقت محدد كل مساء. وكل قصة من قصص المجموعة تحاول أن تُمسك بهذا المكان قبل أن يتبخّر مع الزمن.
ثيمات تتكرّر في المجموعة:
أولًا: العودة المستحيلة
كثير من شخصيات القصص تحاول العودة — إلى بيت قديم، إلى قرية بعيدة، إلى لحظة طفولة. والعودة دائمًا تخذلهم، لا لأن المكان تغيّر، بل لأنهم هم الذين تغيّروا. المكان ينتظرنا، لكننا لا نعود إليه كما غادرناه.
ثانيًا: الذاكرة كحماية
تستخدم بعض الشخصيات الذاكرة درعًا في مواجهة الحاضر. تُعيد إنتاج الماضي يوميًا لتحتمي به من واقع لا تطيقه. وفي ذلك سؤال إنساني عميق: متى تكون الذاكرة منقذًا، ومتى تتحوّل إلى سجن؟
ثالثًا: الصمت بوصفه لغة
في عدد من القصص، يقول الصمت ما تعجز عنه الكلمات. أب لا يخاطب ابنه إلا بنظرة، جدّة تتحدث إلى البحر بدلًا من حفيدتها، رجل يدفن سرّه في حقيبة قديمة. الصمت في هذه المجموعة ليس غيابًا للكلام، بل لغة موازية لها قواعدها.
رابعًا: المكان الذي يحتضر
تتكرّر صورة المكان الذي يموت ببطء: بيت يتهدّم، قرية تُهجَر، حقل يُباع لمستثمر. وفي موت المكان، يموت جزء من الإنسان الذي تشكّل فيه. القصص لا ترثي المكان، بل تحاول أن تكتبه قبل أن يذهب نهائيًا.
خامسًا: الأبطال الهامشيون
أبطال المجموعة ليسوا رجالًا عظماء ولا نساءً استثنائيات. هم بائع متجول، حارس مقبرة، طفل يحلم، أرملة تنتظر، مدرّس متقاعد. اخترت أن أكتب عن من لا يُكتب عنهم عادةً، لأن في حياتهم اليومية ما يستحق أن يُحفظ.
المجموعة مطبوعة وموزّعة من مؤسسة أخبار اليوم، وحازت جوائز على مستوى الجمهورية في مجال القصة القصيرة. لكن الجائزة الحقيقية بالنسبة لي كانت رسائل بعض القراء الذين قالوا لي إنهم — بعد قراءة قصة بعينها — اتصلوا بأمهاتهم، أو زاروا قبر جدّ، أو فتحوا صندوق صور قديمة. هذا هو ما أردته من الكتابة: أن تُعيدنا إلى ما نسيناه، لا لنبكي عليه، بل لنعرف من نحن.